الشيخ محمد رشيد رضا
415
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والزكاء والكمال بحسب تزكية صاحبها لها أو من ضد ذلك بحسب تدسيته لها ، ويدل على هذا وذاك قوله تعالى « نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى » وانني لا أتذكر أنني اطلعت على تفسير واضح لهذه الجملة الحكيمة العالية « نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى » وانما يفسرون اللفظ بمدلوله اللغوي كأن يقولوا نوجهه إلى حيث توجه ، أو نجعله واليا لما اختار أن يتولاه ، أو يزيدون على ذلك استدلال كل فرقة بالآية على مذهبها أو تحويلها اليه أعني مذاهبهم في الكسب والقدر والجبر ، وتعلق الإرادة الإلهية أو عدم تعلقها بالشر ، والذي أريد بيانه وتوجيه الأذهان إلى فهمه هو ان هذه الجملة مبينة لسنة اللّه تعالى في عمل الانسان ، ومقدار ما أعطيه من الإرادة والاستقلال ، والعمل بالاختيار ، فالوجهة التي يتولاها في حياته ، والغاية التي يقصدها من عمله ، يوليه اللّه إياها ويوجهه إليها أي يكون بحسب سنته تعالى واليا لها ، وسائرا على طريقها ، فلا يجد من القدرة الإلهية ما يجبره على ترك ما اختار لنفسه ، ولو شاء تعالى لهدى الناس أجمعين بخلقهم على حالة واحدة في الطاعة كالملائكة ولكنه شاء أن يخلقهم على ما نراهم عليه من تفاوت الاستعداد والادراك وعمل كل فرد بحسب ما يرى أنه خير له وأنفع في عاجله أو آجله أو فيهما جميعا الخ ما لا محل لشرحه هنا من طبائع البشر وذهب بعضهم إلى أن المراد من تولية اللّه لمثل هذا ما تولى هو ما يلزمها من عدم العناية والالطاف ، بناء على أن للّه تعالى عناية خاصة ببعض عباده وراء ما تقتضيه سننه في الأسباب والمسببات ، وجعل الجزاء في الدنيا والآخرة اثرا طبيعيا للأعمال ، وما في ذلك من النظام والعدل العام ، والظاهر أن المراد بالجملة ما ذكرنا من حقيقة معناها وحاصله أن من كان هذا شأنه فهو الجاني على نفسه لأن من سنة اللّه أن يكون حيث وضع نفسه واختار لها ، وأن مصيره إلى النار وبئس القرار ، نعم إن اللّه تعالى يختص برحمته من يشاء ويهب للذين أحسنوا الحسنى ويزيدهم من فضله ، ولكن ليس هذا المقام مقام بيان سبب الحرمان من مثل هذا الاختصاص إذ ليس من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى مظنة له ، فيصرح بنفيه عنه ، وليت شعري أيقول الذين فسروا التولية بهذ النفي